فخر الدين الرازي

413

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم قوله : وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ يقتضي جواز التزوج بالمشركة لأن لفظة أفعل تقتضي المشاركة في الصفة ولأحدهما مزية . قلنا : نكاح المشركة مشتمل على منافع الدنيا ، ونكاح المؤمنة مشتمل على منافع الآخرة ، والنفعان يشتركان في أصل كونهما نفعا ، إلا أن نفعا ، إلا أن نفع الآخرة له المزية العظمى ، فاندفع السؤال واللّه أعلم . أما قوله تعالى : وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا فلا خلاف هاهنا أن المراد به الكل وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة . وقوله : وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ فالكلام فيه على نحو ما تقدم . أما قوله : أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : هذه الآية نظير قوله : ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [ غافر : 41 ] . فإن قيل : فكيف يدعون إلى النار وربما لم يؤمنوا بالنار أصلا ، فكيف يدعون إليها . وجوابه : أنهم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها أحدها : أنهم يدعون إلى ما يؤدي إلى النار ، فإن الظاهر أن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة ، وكل ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض ، وربما يؤدي ذلك إلى انتقال المسلم عن الإسلام بسبب موافقة حبيبه . فإن قيل : احتمال المحبة حاصل من الجانبين ، فكما يحتمل أن يصير المسلم كافرا بسبب الألفة والمحبة ، يحتمل أيضا أن يصير الكافر مسلما بسبب الألفة والمحبة ، وإذا تعارض الاحتمالان وجب أن يتساقطا ، فيبقى أصل الجواز . قلنا : إن الرجحان لهذا الجانب لأن بتقدير أن ينتقل الكافر عن كفره يستوجب المسلم به مزيد ثواب ودرجة ، وبتقدير أن ينتقل المسلم عن إسلامه يستوجب العقوبة العظيمة ، والإقدام على هذا العمل دائر بين أن يلحقه مزيد نفع ، وبين أن يلحقه ضرر عظيم ، وفي مثل هذه الصورة يجب الاحتراز عن الضرر ، فلهذا السبب رجح اللّه تعالى جانب المنع على جانب الإطلاق . التأويل الثاني : أن في الناس من حمل قوله : أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والقتال ، وفي تركهما وجوب استحقاق النار والعذاب وغرض هذا القائل من هذا التأويل أن يجعل هذا فرقا بين الذمية وبين غيرها ، فإن الذمية لا تحمل زوجها على المقاتلة فظهر الفرق . التأويل الثالث : أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل / النار ، فهذا هو الدعوة إلى النار وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ حيث أمرنا بتزويج المسلمة حتى يكون الولد مسلما من أهل الجنة . أما قوله تعالى : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ففيه قولان : القول الأول : أن المعنى وأولياء اللّه يدعون إلى الجنة ، فكأنه قيل : أعداء اللّه يدعون إلى النار وأولياء اللّه يدعون إلى الجنة والمغفرة فلا جرم يجب على العاقل أن لا يدور حول المشركات اللواتي هن أعداء اللّه تعالى ، وأن ينكح المؤمنات فإنهن يدعون إلى الجنة والمغفرة والثاني : أنه سبحانه لما بين هذه الأحكام وأباح بعضها